في شرق أفريقيا، أصبحت آثار تغير المناخ واضحة بشكل متزايد، لا سيما من خلال النزوح الجماعي وزعزعة استقرار المجتمعات الرعوية التي اعتمدت تقليديًا على الأرض في كسب عيشها. تواجه هذه المنطقة الآن واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية كارثية والناجمة عن تغير المناخ، والتي تتسم بموجات جفاف دورية ومكثفة تهدد بدفع الملايين إلى هاوية المجاعة.
تاريخيًا، شهدت منطقة شرق أفريقيا موجات جفاف؛ ومع ذلك، تُظهر الاتجاهات الحديثة تصاعدًا مقلقًا في وتيرتها وشدتها ومدتها. وقد أرجع الباحثون هذا التكثيف بشكل متزايد إلى تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، والذي حول ما كان في السابق فترات جفاف غير متكررة إلى حالات جفاف مزمنة. وقد أدى هذا التحول إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي، مما جعل أعدادًا هائلة من السكان عرضة للجوع وسوء التغذية.
إن تداعيات هذه الأزمة مذهلة، حيث أدت إلى تعطيل سبل العيش التقليدية، وتأجيج الهجرات الجماعية، وتعريض سبل عيش الملايين للخطر. تعد منطقة شرق أفريقيا موطنًا للعديد من المجتمعات الرعوية والرعوية الزراعية التي تعتمد طريقة حياتها على صحة وإنتاجية ماشيتها. لقد طورت هذه المجتمعات أنظمة وممارسات معرفية معقدة تسمح لها بالازدهار في بيئة مليئة بالتحديات؛ ومع ذلك، فإن حدوث موجات جفاف أكثر تواترًا يعمل على تفكيك هذه التقاليد القديمة.
في كينيا، التي تعاني من أطول موجة جفاف وأكثرها تدميرًا في تاريخها المسجل، تتحمل المجتمعات الرعوية وطأة هذه الأزمة. بالنسبة للرعاة، تدهور الوضع إلى ظروف كارثية، حيث تشير التقارير إلى أن نفوق الماشية قد تجاوز 2.6 مليون رأس خلال السنوات الخمس الماضية. ويمتد هذا الفقد المذهل إلى ما هو أبعد من مجرد التداعيات الاقتصادية، إذ يحمل آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات. وتعتبر النساء والأطفال وكبار السن معرضين للخطر بشكل خاص، حيث يؤدي تناقص أعداد الماشية إلى انخفاض حاد في توافر الحليب، مما يؤدي إلى تصاعد معدلات سوء التغذية والأزمات الصحية داخل هذه الفئات الضعيفة.
إن نفوق القطيع يمثل أكثر من مجرد فقدان لمصدر الدخل؛ فهو يعني طمس الروابط الاجتماعية وزعزعة استقرار الإمدادات الغذائية، مما يعرض أنماط حياة كاملة كانت موجودة منذ أجيال للخطر. لا يمكن المبالغة في تقدير الخسائر العاطفية والنفسية التي تلحق بهذه المجتمعات، وهي تصارع الحزن على الماشية المفقودة والخوف من مستقبل غير مؤكد.
علاوة على ذلك، فإن موجات الجفاف التي تجتاح كينيا وأجزاء أخرى من شرق أفريقيا تتجاوز الأبعاد البيئية والإنسانية؛ فهي تعمل أيضًا كمحفزات لتصعيد الصراعات المحلية. ومع تزايد ندرة مصادر المياه الحيوية وأراضي المراعي الخصبة، تشتد المنافسة على هذه الموارد المتضائلة، مما يؤدي غالبًا إلى اشتباكات عنيفة بين المجتمعات التي تكافح من أجل البقاء.
لقد أدت ظروف الجفاف المطولة إلى تعطيل الأنظمة القائمة منذ فترة طويلة لتقاسم الموارد والتعاون، مما ساهم في انهيار الثقة المجتمعية وتصاعد التوترات. على سبيل المثال، ارتبطت دورة العنف المستمرة بين مجتمعي توركانا وبوكوت ارتباطًا وثيقًا بظروف الجفاف، والإجهاد الحراري المرتفع، وانتشار أمراض الماشية. كشفت الدراسات التي أجريت في مقاطعة توركانا عن وجود علاقة مقلقة بين فترات هطول الأمطار الأقل من المتوسط والارتفاع المفاجئ في أعمال العنف، مما يسلط الضوء على الكيفية التي يمكن بها للضغوط البيئية أن تؤدي إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية القائمة وتؤدي إلى الصراع.
إن الأزمة المتكشفة في شرق أفريقيا ليست إنسانية فحسب، بل هي قانونية أيضًا
ولمواجهة هذه الأضرار المتزايدة، شكلت أكثر من 50 منظمة من منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء القارة “المنصة الأفريقية للمناخ” (ACP). ويقدم التحالف التماسًا إلى المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب للحصول على رأي استشاري من شأنه توضيح الواجبات القانونية للدول الأفريقية لحماية شعوبها من التهديدات الناجمة عن المناخ والتي تمس الحياة والسلامة والبقاء الثقافي. إن المجتمعات الرعوية في شرق أفريقيا التي تواجه انهيار النظام البيئي والجوع والنزوح وتصاعد العنف تقدم دليلاً واضحًا على أن هذه الأضرار ليست مجرد أفكار مجردة. إنها الواقع اليومي للملايين. يطلب الجهد القانوني للمنصة الأفريقية للمناخ من المحكمة الاعتراف بأنه عندما تفشل الدول في الاستعداد أو الحماية، فإن الثمن يُدفع من الحقوق الضائعة، وأن مثل هذا الفشل يجب ألا يُقابل بالقلق فحسب، بل بالمساءلة أيضًا.